شفيل هنيغف
ع

علم الآثار

نحاس عند الجار، وعاج عندك

للتذكُّر

قبل أكثر من ستّة آلاف سنة صنعوا في بئر أبو مطر النحاس وفي بئر الصفادي العاج — بلدتان على بعد نصف كيلومتر، كلّ واحدة في مهنة أخرى.

بجانب وادي السبع، داخل مساحة مدينة اليوم، موقعان أثريان من العصر الحجري النحاسي: بئر أبو مطر وبئر الصفادي. يبعد أحدهما عن الآخر نحو نصف كيلومتر، وهما جزء من مجموعة اسمها حضارة بئر السبع.

وما وُجد فيهما ليس ما يُتوقَّع أن يوجد في صحراء.

في بئر أبو مطر وجدوا صهر النحاس وسبكه. والنحاس نفسه لا يوجد هنا — جُلب من وادي فينان ومن تمناع، على مسافة كبيرة. أي أنّ أحداً جلب خاماً، وأشعل فرناً، وصهره وسبك منه أشياء.

وفي بئر الصفادي وجدوا معالجة العاج والعظم، وبكمّية أكبر من التي وُجدت عند الجيران. والعاج وصل على الأرجح من أفريقيا، ومنتوجات العاج في منطقة بئر السبع هي الأولى التي صُنعت في بلاد الشام.

والآن انتبهوا إلى ما يعنيه هذا. بلدتان، على بعد نصف كيلومتر إحداهما من الأخرى، قبل أكثر من ستّة آلاف سنة. واحدة تصنع النحاس، والثانية تصنع العاج. هما لا تصنعان الشيء نفسه.

هذا تخصّص، وهو علامة على مجتمع منظّم. حين تصنع كلّ عائلة كلّ شيء لنفسها لا يوجد تخصّص. التخصّص يظهر حين يكون هناك أمان كافٍ للاعتماد على الجار — أنا أصنع النحاس، وأنت تصنع العاج، ونحن نتبادل.

ومن أين وصلت الموادّ؟ من التجارة. الخام من وادي عربة، والعاج من أفريقيا. أناس سكنوا في بيوت محفورة في الأرض، وربّوا الماشية وزرعوا القمح والشعير والعدس، كانوا موصولين بشبكة وصلت إلى قارّتين.

وأين سكنوا؟ في البداية تحت الأرض. تربة اللِّس في البقعة طريّة، ويمكن نحتها. فحفروا منظومات غرف داخل الأرض ووصلوا بينها بأنفاق، وكانوا ينزلون إليها في بئر مائلة. وبعد ذلك، حين انهارت تلك الغرف، بنوا فوقها بناءً نصف تحت أرضي. وفي المرحلة الثالثة فقط بنوا بيوتاً فوق سطح الأرض، بطوب لبن غير محروق على أسس حجرية.

وبلغ سكان بئر أبو مطر نحو مئتَي نفس على الأكثر. مئتا نفس، وفرن نحاس، وتجارة بالعاج من أفريقيا.

واليوم تقوم فوق بئر أبو مطر حديقة صغيرة في طرف حي نفيه زئيف، وتُرى فيها البئر وحجارة تشير إلى بقايا من فترات أحدث.

المصادر